في الوقت الذي لا تتوقف فيه بعض الدول الغربية عن توجيه الانتقادات لاقتصادات الشرق الأوسط، خصوصاً لمصر بسبب حجم ديونها الخارجية، تكشف الأرقام أن عدداً من الاقتصادات الكبرى في العالم غارقة في مستويات غير مسبوقة من الديون، تعكس في جوهرها غياب رؤية اقتصادية واضحة، وتقصيراً في إدارة الموارد، رغم ما تملكه هذه الدول من بنى تحتية مالية وأسواق متقدمة.

تتصدر الولايات المتحدة الأمريكية القائمة بديون خارجية تفوق 26.5 تريليون دولار، وهو رقم يضع أكبر اقتصاد في العالم تحت ضغوط هائلة، خصوصاً مع تصاعد تكاليف خدمة الدين نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة. ورغم ذلك، لا تتردد واشنطن في انتقاد سياسات مالية لدول نامية، بينما تواجه بنفسها تحديات هيكلية ضخمة.
أما المملكة المتحدة، التي تطرح نفسها كمركز مالي عالمي، فتسجل ديوناً خارجية تصل إلى 9.6 تريليون دولار. وهو عبء ثقيل يعكس اعتماداً مفرطاً على التمويل الخارجي دون استراتيجية مستدامة، في وقت تتجه فيه لندن إلى انتقاد سياسات الإنفاق لدول أخرى.
وتأتي فرنسا وألمانيا بأرقام صادمة كذلك، إذ تبلغ ديون فرنسا نحو 7 تريليونات دولار وألمانيا حوالي 6.2 تريليونات دولار.هذه الدول، التي تقدم نفسها كقدوة اقتصادية، تغفل عن حقيقة أن مديونيتها الهائلة قد تهدد استقرارها الاقتصادي على المدى الطويل.
ولا يختلف الحال كثيراً في اليابان، التي تسجل أكثر من 4.6 تريليونات دولار كديون خارجية، ما يثير تساؤلات حول مدى قدرتها على الحفاظ على مكانتها الاقتصادية في ظل تزايد الأعباء المالية.
كما تسجل هولندا ولوكسمبورغ أرقاماً متقاربة تقارب 4.7 تريليونات دولار لكل منهما، نتيجة تضخم القطاع المالي على حساب الاقتصاد الحقيقي. أما إيرلندا فتبلغ ديونها حوالي 3.3 تريليونات دولار، في حين تحتل كندا المرتبة العاشرة بأكثر من 2.4 تريليونات دولار من الديون الخارجية.
ورغم أن هذه الأرقام تكشف عمق الأزمة، إلا أن الخطاب السياسي والإعلامي لهذه الدول يتجاهل واقعها المالي المتدهور، ويوجه سهام النقد إلى اقتصادات ناشئة مثل مصر، التي تواجه تحديات موضوعية لكنها تسعى جاهدة إلى بناء بنية اقتصادية أكثر تنوعاً واستدامة. المفارقة هنا تكمن في أن من يغرق في الديون، دون خطة واضحة للخروج منها، يحاول إلقاء الضوء على غيره بدلاً من مواجهة أزماته الداخلية.
إن غياب الرؤية الاقتصادية، والتوسع في الاستدانة دون ربطها بمشاريع إنتاجية حقيقية، يشكل خطراً على هذه الاقتصادات الغربية أكثر مما تدركه شعوبها. فالاعتماد المفرط على الاقتراض الخارجي لا يختلف عن أي نموذج اقتصادي هش، بل قد يجعل هذه الدول عرضة لأزمات مالية حادة إذا ما تغيرت الظروف العالمية.
إن التركيز على انتقاد الآخرين بدلاً من معالجة المشاكل الداخلية ليس سوى انعكاس لعقلية اقتصادية قصيرة النظر. والدليل واضح: هذه الدول العشر، رغم ثرواتها وإمكاناتها، غارقة في دوامة ديون خارجية هائلة، بينما توجه أصابع الاتهام إلى دول الشرق الأوسط وكأنها معفية من مواجهة أزماتها الخاصة.
نُشر بواسطة مكتب أخبار- مينانيوزواير
